أحمد مصطفى المراغي
117
تفسير المراغي
غافلا عما جاء فيه لا يدرى منه شيئا . ثانيتهما رؤيا يوسف وما فهمه منها أبوه فهما جمليّا وبنى عليه تحذيره وإنذاره وما يستهدف له من كيد إخوته ثم تبشيره بحسن العاقبة ، ثم بنى على الأولى قوله بعد تمام القصة « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ » وبنى على الثانية قوله لأبيه بعد دخولهم عليه وسجودهم له « يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا » . الإيضاح ( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ) أي لقد كان في قصة يوسف وإخوته لأبيه عبر أيما عبر دالة على قدرة اللّه وعظيم حكمته وتوفيق أقداره ولطفه بمن اصطفى من عباده ، وتربيته لهم ، للسائلين عنها الراغبين في معرفة الحقائق والاعتبار بها ، فإنهم هم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها . تأمل : تر أن إخوة يوسف لو لم يحسدوه لما ألقوه في غيابة الجب ، ولو لم يلقوه فيها لما وصل إلى عزيز مصر ، ولو لم يعتقد العزيز بصادق فراسته أمانته وصدقه لما أمّنه على بيته ورزقه وأهله ، ولو لم تراوده امرأة العزيز عن نفسه ويستعصم منها لما ظهرت نزاهته ولو لم تفشل في كيدها وكيد صويحباتها لما ألقى في السجن ، ولو لم يسجن ما عرفه ساقى ملك مصر وعرف صدقه في تعبير الرؤيا وإرشاد ملك مصر إليه فآمن به وجعله على خزائن الأرض ، ولو لم يتبوأ هذا المنصب ما أمكنه أن ينقذ أبويه وإخوته وأهله أجمعين من الجوع والمخمصة ويأتي بهم إلى مصر فيشاركوه فيما ناله من عز وبذخ ورخاء عيش ونعيم عظيم ، وما من مبدأ من هذه المبادئ إلا كان ظاهره شرا مستطيرا ، ثم انتهى إلى عاقبة كانت خيرا وفوزا مبينا . فتلك ضروب من آيات اللّه في القصة لمن يريد أن يسأل عن أحداثها الحسية الظاهرة وعلومها الباطنة كعلم يعقوب بتأويل رؤيا يوسف وعلمه بكذبهم في دعوى أكل الذئب له ، ومن شمه لريح يوسف منذ فصلت العير من أرض مصر ذاهبة إلى